أشار السيد ​علي فضل الله​، خلال لقاء حواري أقيم في ​المركز الإسلامي الثقافي​ في ​حارة حريك​ تحت عنوان "​حب الوطن​ من الإيمان"، إلى أن الله أودع في الإنسان العديد من الغرائز الضرورية لحياته ولأداء دوره فيها، ومن بينها غريزة حب الوطن.

وقال فضل الله إن "الإنسان بطبيعته يحب وطنه، مسقط رأسه ووطن آبائه وأجداده، ويألف الأرض التي تربّى وترعرع فيها، وتنفس هواءها، وارتوى من مائها، وأكل من خيراتها، ونسج فيها علاقاته مع الذين يعيشون معه".

وأضاف أن هذا الحب يدفع الناس إلى الحرص على بناء أوطانهم وإعمارها والدفاع عنها، وبذل الغالي والنفيس من أجل حريتها ومنع استهدافها من أعدائها.

وأشار إلى أن الإسلام حرص، في تربيته للإنسان، على تعزيز هذا الحب وتعميقه، انطلاقاً من مقولة "حب الوطن من الإيمان"، موضحاً أن الحديث عن حب الوطن لا يقتصر على وطن المسلمين، بل يشمل أي وطن يسكنه الإنسان، حتى لو لم يكن بلداً إسلامياً أو كانت غالبية أبنائه من غير المسلمين، إذ إن "قيمة الوطن لأنه وطن، بعيداً عن هويته الخاصة".

وشدد فضل الله على أن حب الوطن لا ينبغي أن يُخرج الإنسان عن القيم والمبادئ التي أراد الله له أن يعيشها، أو أن يكون على حسابها، لافتاً إلى أن أول هذه الضوابط هو رفض تحوّل هذا الحب إلى عصبية تدفع الإنسان إلى اعتبار وطنه دائماً على حق، أو إلى عدم رؤية الخير فيما يصدر عن الأوطان الأخرى حتى لو كان حقاً وعدلاً.

وفي معرض حديثه عن كيفية التعبير عن حب الوطن، قال: "إننا من موقع الإيمان إنما نعبّر عن حبنا عندما نحفظ الوطن ممن يتعرضون له بتهديد، بأن ندافع عنه في وجه كل معتدٍ وطامع، ونبذل جهودنا من أجل أن نبقيه موحداً حراً عزيزاً كريماً، ونمنع عنه عبث العابثين".

وأضاف أن "الذين يحبون الوطن هم حراسه، والذين يدافعون عنه، لا الذين لا يبالون بذلك، أو الذين قد يساعدون العدو عليه لحساباتهم الخاصة"، مشيراً إلى أن الإسلام عزز مكانة الذين يبذلون دماءهم من أجل أوطانهم واعتبرهم شهداء.

وأكد فضل الله أن "​المسلمين الشيعة​ قدّموا وما زالوا يقدّمون من قادتهم وأبنائهم وخيرة شبابهم في سبيل هذا الوطن، من أجل سيادته وكرامة إنسانه"، مشدداً على أن الطائفة "لم يكن يوماً لها مشروعها الخاص، بل آمنت ب​الانفتاح والتعددية​ والحوار، ودفعت الأثمان في سبيل وحدة الوطن ومنع تقسيمه".

وفي الشأن الداخلي، تطرق فضل الله إلى ارتفاع أعداد الضحايا جراء ​حوادث السير​، مؤكداً أنه "لا يجوز شرعاً مخالفة أنظمة السير وعدم التقيد بها، ولا سيما السرعة الزائدة التي تتسبب بإنهاء حياة الكثيرين"، لافتاً إلى أن الإنسان، في هذه الحالة، لا يخاطر بحياته فحسب، بل يعرّض حياة من معه والآخرين للخطر.

ودعا الدولة إلى التشدد في تطبيق ​الإجراءات والقوانين​ ومحاسبة المخالفين، حفاظاً على حياة الناس وسلامتهم.

وفي رده على سؤال بشأن ظاهرة تقديس الأشخاص في الشرق، رأى فضل الله أن "مشكلتنا في الشرق أننا نقدّس الأشخاص ونتبعهم أحياناً طاعة عمياء"، مشيراً إلى أن من حق كل إنسان أن يحب أو يسير على خط أو منهج أي شخص، لكن عليه أن يدرك أن الجميع بشر، يصيبون ويخطئون.

ودعا في هذا السياق إلى ترسيخ ​ثقافة النقد البنّاء​، بما يسمح بالتمييز بين المواقف وتقييمها بعيداً عن التقديس أو الإلغاء.

وعن احتمال حدوث انفجار اجتماعي نتيجة الغلاء وتردي الأوضاع المعيشية، استبعد فضل الله وصول الأمور إلى هذا الحد، رغم صعوبة الوضعين الاجتماعي والمعيشي، معتبراً أن الاتحادات العمالية في ​لبنان​ لا تتحرك إلا بقرار سياسي "من هنا وهناك".

ودعا الدولة إلى إيلاء الوضع الاجتماعي الصعب الاهتمام الذي يستحقه، والعمل على إيجاد حلول من شأنها التخفيف من معاناة الناس.

وفي ما يتعلق بالخطاب المستفز والمتوتر، دعا فضل الله الجميع، حرصاً على الوطن وإنسانه، إلى "النطق بالكلمة الحسنة، والابتعاد عن منطق التحريض والاستفزاز والتراشق".

وتوجه خصوصاً إلى السياسيين، داعياً إياهم إلى عدم إطلاق الكلمات من دون معرفة تداعياتها على أرض الواقع، مؤكداً أن "الوطن للجميع، ومنطق التوتير والتصعيد ليس حلاً".